أثر الشيطان في إذكاء الشحناء والبغضاء - الشيخ صلاح البدير

ألقى فضيلة الشيخ صلاح البدير - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "أثر الشيطان في إذكاء الشحناء والبغضاء"، والتي تحدَّث فيها عن وساوس الشيطان للمؤمنين وإيقاعه بينهم، وأن ذلك دأبَه لا يفتُر عنه ليل نهار، وذكَّر بضرورة توخِّي الحذر من تلك الوساوس التي مصدرُها شياطين الإنس والجن؛ من إعلامٍ مقروءٍ ومسموعٍ ومرئيٍّ يُوغِرُ الصدور، وينشر العداء بين الأحِبَّة، ولم ينسَ تعامل دولتي الإسلام العظيمتين مع الأحداث الراهِنة بحكمةٍ وروِيَّةٍ.

الخطبة الأولى
الحمد لله أمرَنا بالتعاوُن والتناصُر، ونهانا عن التنازُع والتدابُر، والتقاطُع والتناحُر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلمُ الخفِيَّات والسرائر، ولا يخفَى عليه مكنُون الضمائر، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله من اعتصَمَ بسنَّته نجا من المخاطِرِ والمعاثِر، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا دائِمَين مُمتدَّيْن إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله وأطيعُوه؛ فطاعتُه أجلُّ نعمة، وتقواهُ أعظمُ عِصمة، .يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. [آل عمران: 102].
أيها المسلمون:
تجمعُ أهلَ الإسلام أواخٍ وكِيدة، وعلائِقُ مُتَّصلة، وذِمامٌ وقُربةٌ، والشيطانُ يبغِي التحريشَ والوقيعة، ويُذكِي نارَ الفُرقة والقَطيعة، ويُثيرُ نقعَ الفتنة والحُروب، ويبُثُّ أحقادَ الأعداء وإحَن البُعَداء بين القرابة والأحِبَّة.
فعن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الشيطانَ قد أيِسَ أن يعبُدَه المُصلُّون في جزيرةِ العربِ، ولكن في التحريشِ بينهم»؛ أخرجه مسلم.
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن إبليسَ يضعُ عرشَه على الماء، ثم يبعثُ سراياه، فأدناهُم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً، يجِيءُ أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئًا، ثم يجِيءُ أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته، فيُدنيه منه ويقول: نِعمَ أنت»؛ أخرجه مسلم.
ولا يُفرِّقُ بين الأحِبَّة إلا مردَةُ الفساد الأشرارُ الفُجَّار؛ فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أُخبِركم بخِيارِكم؟». قالوا: بلى. قال: «فخِيَارُكم: الذين إذا رُاُوا ذُكِر الله تعالى. ألا أُخبِرُكم بشِرارِكم؟». قالوا: بلى. قال: «فشِرارُكم: المُفسِدون بين الأحِبَّة، المشَّاءون بالنميمة، الباغُون البُرَآء العَنَت»؛ أخرجه أحمد.
وعدوُّ الأمة يرُومُ المكيدة، وينصِبُ الشَّرَك، ويسعَى إلى نشر الضغائِنِ والإحَن والعداوات بين البلاد المُسلِمة والشعوبِ المؤمنة، حتى تكون عَجاجَةً لا تسكُن، وغَياغةً لا تنقشِعُ، وثائرةً لا تهدَأ، وفوضًى لا تزول، وصِدامًا لا يحُول، وليكون اختلافُ الأمة وافتراقُها مساغًا إلى ما يرُوم من توسيعِ نُفوذِه، وبلاغًا إلى ما يُحاوِلُه من فرضِ سيطرته ووجُوده.
أيها المسلمون:
ولن تكون أوطانُنا آمِنةً، نواحِينا محروسةً، وأحوالُنا مُنتظمةً إلا باجتماعنا وتحادنا وائتلافِنا، .وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. [آل عمران: 103]، .وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. [الأنفال: 46].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَقاطَعوا، ولا تَدابَروا، ولا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا كما أمرَكم الله»؛ أخرجه مسلم.
أيها المسلمون:
كم رأينا من لقاءاتٍ وحواراتٍ عبر وسائل الإعلام مِلؤُها السِّباب والشتمُ والقذفُ والطعنُ والتحريضُ والتخوينُ والتشويه، والافتراءُ والازدِراءُ والاعتِداءُ، وكم قرأنا من مقالاتٍ وكتاباتٍ ورُدودٍ تستطيلُ في أعراض المُسلمين، وتُعمِّقُ الفُرقَة، وتُبدِّدُ الشملَ، وتُفرِّقُ الجمعَ، وتُمزِّقُ الأُلفَة، وتُباعِدُ بين القلوبِ، ولا تُحقِّقُ مصلحةً ولا إصلاحًا.
وكم شاهَدنا في المجالس والمُنتديات والقنوات من مُواجهاتٍ وصِراعاتٍ وسِجالاتٍ وإثارةٍ للعصبيَّاتِ المذهبيَّة والعِرقيَّة والقبليَّة والحِزبيَّة ما يُمِضُّ ويُمرِض. مصالحُ شخصية، وتحزُّبات مَقيتة، وأصواتٌ تُشترى، وذِممٌ تُباع، وقنواتٌ مأجورة لا تكُفُّ عن أساليب الإثارة والتهييج، وإلهابِ مشاعرِ البُسطاء، واللعب بعواطِف الدَّهماء والغَوغاء.
فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وكفُّوا عن تلك المُمارسات المقبوحة، والأساليب المفضُوحة، والولاءات الشخصية المَقيتة التي جاء في الشرع ذمُّها، وبانَ في العقلِ سُخفُها، وتقرَّرَ في الطبعِ طَيشُها، وثبَتَ في الواقع خطرُها وضررُها.
واعلموا أن دينَكم وأوطانَكم وأمنَكم واستقرارَكم ووحدَتَكم أمانةٌ في أعناقكم، فارعَوها حقَّ رعايتها، وكونوا دعاةَ أمنٍ وسلامٍ، وأُلفةٍ ومحبَّةٍ ووِئام، كونوا شُرفاء أوفياء، وشُهداء أُمناء، ودُعاةَ إخاءٍ وصفاءٍ.
وإننا لنحمَدُ الله تعالى كثيرًا، ونُثنِي عليه كثيرًا، وقد خابَ العدوُّ في مُراده، وأخفقَ في مغزاه، وحُرِم نَيل مُبتغاه يوم سعَى للوقيعة والقَطيعة بين البلَدَين العظيمين: المملكة العربية السعودية دولةِ الإسلام والسلام ودوحةِ الأمنِ والأمانِ والإيمانِ، ومصر أرضِ العُروبة والشُّموخِ والإباء والسلام والإسلام، فخيَّبَ الله سعيَه، وردَّ عليه كيدَه، بفضله ومنَّته - سبحانه وتعالى -، ثم بحكمةِ خادمِ الحرمين الشريفين ووليِّ عهده وحكمةِ أهلِنا في مصر العزيزة.
وشعبُ المملكة العربية السعودية وشعبُ مصر الحبيبة شعبٌ واحدٌ، ولن يُفرِّقَهما عبَثُ حاسِد، أو خُبثُ حاقِد، أو إنكارُ جاحِد.
وإن رغِمَت أنوفٌ من أُناسٍ
فقل: يا ربِّ! لا تُرغِمْ سِواها
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه؛ إنه كان للأوابين غفورًا.
الخطبة الثانية
الحمد لله حرَّم البغيَ والغدرَ والاعتِداء، أحمدُه في السرَّاء والضرَّاء، والشدَّة والرَّخاء، والنعمةِ والبلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يخفَى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله خاتمُ الأنبياء وسيدُ الأولياء، وإمامُ الأتقياء والأصفياء، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم على ذلك السبيل وسائر المُنتمين إلى ذلك القَبِيل، وسلَّم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
بالتقوى تستنيرُ الدُّروب، وبالصبرِ تنفرِجُ الكُرُوب، .فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. [هود: 49].
أيها المسلمون:
من أعظم الجِنايةِ والإجرام: انتِهاكُ حُرمة المُسلِم، وإن من الأفعال المُستنكَرة المُستقبَحة الخارجةِ عن تعاليم الإسلام وأعرافِ العُرَب الأُصَلاء: ما قام به التنظيمُ الإرهابيُّ الهمَجيُّ المُتخبِّطُ في أفكاره وأفعاله من احتجاز الدبلوماسي السعودي عبد الله الخالدي ومُصادرة حريَّته وترويعه، وجعله وسيلةً لابتِزاز بلاد الحرمين الشريفين، والتي وقفت موقفًا أمنيًّا صارِمًا ضدَّ هذه الأفعال العابِثة، والتي لا يقومُ بها إلا غادِرٌ خائنٌ لدينه وأمَّته وعُروبته.
وإننا من منبر سيد الخلقِ رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - نبيِّ الرحمة القائلِ: «لا يحِلُّ لمُسلمٍ أن يُروِّعَ مُسلِمًا»، والقائلِ: «كل المُسلمِ على المُسلم حرامٌ: دمُه ومالُه وعِرضُه».
نُناشِدُ الخاطِفين أن يثُوبوا إلى رُشدِهم، ويُطلِقُوا سراحَ المُختطَفِ البريء، ويُفرِجوا عنه بلا مُساوَمةٍ ولا شُروطٍ، ويكُفُّوا عن تلك المُمارَسَات الشاذَّة التي شوَّهَت جمالَ الإسلام ونقاءَه، وبهاءَه وسناءَه.
واللهَ نسأل أن يُفرِّجَ كُربَتَه، ويفُكَّ أسرَه، ويرُدَّه إلى أهلِه ووطنِه، .وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. [يوسف: 21].
ثم اعلموا أن الله أمرَ بأمرٍ بدأَ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِهِ، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِهِ، فقال قولاً كريمًا: .إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ بشير الرحمة والثواب، ونذير السَّطوةِ والعقابِ، الشافعِ المُشفَّعِ يوم الحِساب، اللهم وارضَ عن خلفائه الأربعة أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وفضلِك وجُودِك وإحسانِك يا أرحمَ الراحِمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المُسلمين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتَنا وُولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهده يا رب العالمين.
اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لإخواننا في سُورية ناصرًا ومُعينًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا.
اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين، اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين، ألفافِ البدعةِ والضلالةِ، ألفافِ البدعةِ والضلالةِ، وأعلامِ الخُرافةِ والدَّجَل والخِيانة، اللهم فُلَّ جيوشَهم، اللهم فُلَّ جيوشَهم، اللهم فُلَّ جيوشَهم، ودُكَّ عروشَهم، ودمِّرهم تدميرًا، ولا تجعل لهم في الأرض وليًّا ولا نصيرًا.
اللهم عجِّل بالفرَج والنصر لإخواننا المُستضعفين في سُورية يا رب العالمين، اللهم طالَ ظُلمُهم، اللهم طالَ ظُلمُهم، اللهم طالَ ظُلمُهم، وعظُم قتلُهم، واشتدَّ قتلُهم وحِصارُهم، وانقطَعَ من الخلقِ أملُهم، فانتصِر لهم يا رب العالمين، انتصر لهم يا الله، انتصر لهم يا سميع الدعاء، وأهلِك عدوَّهم عاجِلًا غيرَ آجِلٍ يا رب العالمين.
اللهم اشفِ مرضاهم، وعافِ جرحاهم، وتقبَّل موتاهم في الشهداء يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود الغاصبين، الصهاينة الغادِرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجِزونك.
اللهم طهِّر المسجد الأقصَى من رِجسِ يهود، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود الغاصِبين يا رب العالمين.
اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وارحَم موتانا، وفُكَّ أسرانا، وأصلِح أولادَنا وشبابَنا وفتياتِنا، وانصُرنا على مَن عادانا يا رب العالمين.
عباد الله:
.إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. [النحل: 90].
فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُروه على نِعَمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبرُ، والله يعلمُ ما تصنَعون.